أبي منصور الماتريدي
17
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم قوله : دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً : ليس على إرادة حقيقة الجنب والقعود والقيام ، ولكن على الدعاء في كل حال ، أي : يدعونه في كل حال ؛ لما عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون الله لا يملكون دفع ما حل بهم من الشدائد والمضار - أقبلوا على الله بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم « 1 » . ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الحال التي كانوا من قبل فقال : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ : يقول - والله أعلم - : مر كأن لم يدعنا قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا [ واستمر على ترك الدعاء في الرخاء ، وقوله : كَذلِكَ عرفنا ما كانوا يعملون والإسراف هو العدوان ] « 2 » والتعدي عن الحد الذي جعل له وهو وضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون بها في عبادة الأصنام وغيرها ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) و قوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا : فإن قيل : قد أهلك من قد ظلم ومن لم يظلم ، فما يعلم من أهلك من الظلمة أنه إنما أهلكهم لظلمهم ، أو أهلك لصلاح من لم يظلم . قيل : إنه أهلك الظلمة إهلاك استئصال وعقوبة ، وأهلك من لم يظلم لا إهلاك عقوبة واستئصال ، إنما هو إهلاك بآجالهم التي جعل لهم . ويحتمل قوله : وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ : إنما أهلك أولئك بسؤالهم الذي سألوا سؤال تعنت رسلهم الآيات ، فإذا جاءوا بتلك الآيات كذبوها ، فأهلكوا عند ذلك ، فأنتم يا أهل مكة إذا سألتم رسولكم الآية ثم
--> ( 1 ) وفي كيفية النظم وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا ، لهلك وقضي عليه ، فبين في هذه الآية ما يدل على ضعفه ، ونهاية عجزه ؛ ليكون ذلك مؤكدا لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات . الثاني : أنه - تعالى - حكى عنهم : أنهم يستعجلون نزول العذاب ، فبين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الاستعجال ؛ لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يؤذيه ، فإنه يتضرع في إزالته عنه ؛ فدل على أنه ليس صادقا في هذا الطلب . ينظر اللباب ( 10 / 277 ) . ( 2 ) سقط في أ .